قراءة باكية تحت صرير الموت في رواية “عمى الذاكرة” للكاتب اليمني “حميد الرقيمي”

الروائية التونسية: حبيبة محرزي

قبل البدء لا بد أن نقول للمؤلف: لقد أشبعتنا بكاءً، قبل أن تضع نقطة النهاية بـ”وبكيت”، فمجرد نسبة الكاتب إلى “اليمن” يضع القارئ العربي، خاصةً، في خانة معينة لا غبش فيها ولا غموض، خانة ترسم حدودها ذاكرة المتلقي المخزنة لصور القتل والدمار والأتربة والركام التي تتهافت وسائل الإعلام على عرضها وتصويرها كلما طحنت الحرب اليابس والأخضر، وكدست الركام والدمار والأتربة والغبار على جثث القتلى في أرض تعاقبت عليها حضارات عدة، بدءًا بمملكة سبأ، مملكة معين وقتبان وحضرموت، وحتى مملكة حمير. هذه الحضارات التي خلفت إرثًا حضاريًا قيميًا في الزراعة والعمارة والتجارة، وقد مثلت جزءًا من الإرث الحضاري العربي الإنساني المشترك.

ليتدرج المتلقي إلى الإهداء، والذي، وباختصار شديد، حدد نقاط الاهتمام في الرواية: “إلى كل من طالتهم نيران الحرب”، والإهداء يرسم الظروف المكانية الحاضنة للمصائر المأساوية الحتمية: “البحار والصحاري”، أماكن ستصير مدافن ومحارق شرسة للهاربين من أوطان دمرتها الحروب. والمتلقي سيدعوه الكاتب في هذه الملحمة المأساوية بضمير المخاطب في فصلها الأول: “عليك أن تعي… وقبل أن تأخذك الصفحات المنقطة بالسواد… تذكر… لا أعلم بأي زمن تقرأني…”، بهذا أمسك السارد بالقارئ ليكون شاهدًا ومصاحبًا لرحلة الموت على صفيح العنف والدمار.

رواية لا يمكن للمتلقي أن يتابع أنساقها السردية ولا دلالاتها المحورية؛ لأن التيمة الكافية المهيمنة “الموت” قزّمت كل القراءات والإيحاءات الممكنة.

الفواعل بالوكالة:

من يتدرج في قراءة الرواية سيتعرف على عديد الشخصيات، بعضها فاعلة بفاعلية جزئية، وبعضها مفاعيل بحكم الوقوع تحت نير الأحداث والمفاجآت العنفية جراء الحرب والضغائن المستشرية بين البشر، بحمولة الأماكن التي ترزح تحت نير رحى الحرب ومآسيها من دمار وقتل وتشريد.

منذ البدء يولد النقص الحاصل بالغياب، وتبدأ المطاردة القاتلة بين الأماكن: “صنعاء وعدن والقاهرة والسودان والصحراء والبحر”.

شخصية السارد المنشطرة بين هويتين: “بدر” دون ضياء أو نور، و”يحيى” الذي فاته أن يحيا جراء الفقد والمنفى بسبب الحرب التي شوهت الذاكرة وحكمت عليها بالعمى، ليعيش اضطرابًا في الهوية، يقول في الصفحة 51: “ماذا أقول أنا، يحيى أم بدر؟ ماذا أختار؟ ما سماني إياه والداي السابقان أم الحديثان ومعهما جدي؟”

ليكون البديل جدًّا لا تربطه به قرابة، يقول له في الصفحة 30: “حافظت عليك من الحقيقة نفسها… كنت حفيدي الذي خُلق من رحم الحرب…”

والذاكرة تصبح ساحة للصراع بين ماضٍ ضبابي مظلم وحاضرٍ مشوه يحاول السارد أن تحتفظ به بمساعدة الكتابة والتوثيق خوفًا من “عمى ذاكرة”، رواية ضجّت بالمآسي والكوارث، وهو فعل مقاومة بالأساس، ونجاته في آخر المطاف هو نجاة للأثر الأدبي الذي يخلد هذه المعاناة كلها بتفاصيلها الموجعة المدمرة.

والكاتب، وهو يسرد هذه التجارب الإنسانية الوجودية، كان على يقين أنه يوثق أيضًا لمراحل هامة من تاريخ وطنه، فيقول في الصفحة 65: “كانت اليمن تعيش مرحلة انتقالية جديدة”.

تدرج زمكاني خطي، انتقال قسري في الزمان الذي يتشابه فيه الماضي والحاضر وربما المستقبل، وما تغيير الأمكنة إلا هربًا من رحى الحرب الفاعلة الحقيقية في الرواية.

الحرب وما ينتج عنها من فقر ويُتم وخصاصة دفعت بطالب الحقوق إلى التخلي عن الدراسة وعن حبه الأول “يافا”، والصديق “عبده حمادي” في عدن الملاذ الأول بعد فقد السند العائلي، ثم قرار الرحيل إلى القاهرة والتعرف على لطفي وياسر الذي باع كليته وهو قاصر، تلك معاناة أخرى… مجموعة شبان تتشابه في أنها أوراق في مهب رياح الحروب ودمارها، ومشروع للموت في كل لحظة، فيحل الموت عوض الحياة ويصير هو الناطق باسم المصير والملاذ.

““م، و، ت” جذر حضر في الرواية “بكثافة” مأساوية بكل “مشتقاته” الاسمية: ميت، موت، أموات، موتى، والفعلية منها ما هو منقضٍ وما هو مستمر بسابقية الحتمية والانقضاء: “مات، يموت، سيموت، ماتوا، يموتون…”

الموت هو الدال الوحيد الذي استحوذ على مفاصل الحكي في الرواية، فلا فقرة ولا صفحة ولا فصل يخلو منه، وإن غاب ينوب عنه رديفه من نفس الحقل الدلالي، وإن اختلفت الجذور: “ق، ت، ل” قاتل، مقتول، قتال، قتّالون…

هو أيضًا حامل الفاعلية الإجرائية العنفية المؤدية إلى “الموت” حتمًا. هذا العنف الناتج عن الفاعل الحقيقي “الحرب” هو الذي سيدفع بطله المتخرج من الجامعة بشهادة عليا ليقول: “وها أنا ذا أمامكم أنقّب في الصحراء بحثًا عن بلاد تعيدني إلى ذاتي”. هو الشتات والضياع و”ذكريات ملغومة” بالدماء والموت والدمار… كلها شواهد دالة تحوصل المأساة حاضرها وغائبها، ماضيها وحاضرها.

حتى الهروب من الموت كان “إلى الموت”، يقول: “من يصدق بأنني وُلدت من حربين وعشت بهويتين وقاومت خوفي وقدري بذاكرتين؟” فالحرب تقتل بالوكالة أيضًا، فأبو محمد قتل زوجته لأنها تمنع ابنها من الذهاب إلى خطوط النار والمشاركة في الحرب، وأخته ذات العشر سنوات تموت بالصدمة عندما رأت أمها تتخبط في دمائها.

ساحة وغى وفناء وقتل وتشويه، في جزء لا في ساعة الوغى، ليصير الأب أحد أذرع الحرب والقتل، الأب الذي هو في الموروث الإنساني الحامي والمؤمِّن للسلامة.

الموت الذي أخذ ياسر في قلب الصحراء يحكم على المجموعة بالصمت: “صمت الموت مطبق على الجميع”.

“موت شاب من إريتريا… فالحدث واحد والمفاعيل كثر”، يقول في ص 165: “تعرفت على موت جديد يضاف إلى ذاكرتي… خيّم علي حزن عميق ونقمة عارمة تجاه الإنسان والصحراء والموت الذي أحمله هاربًا منه وإليه”.

ليكون الموت هو الشيء الثابت بمفعول رجعي وآني واستباقي، يقول: “في كل يوم ضحية تذهب إلى بارئها، ضحية تموت قتلاً وعذابًا وجوعًا…”

والفواعل بالنيابة لا يكتفون بتحقيق الموت والقتل، بل يأتون أفعالًا لا تقل شناعة وعنفًا عن الموت والقتل، يقول: “في كل ليلة تُؤخذ النساء إلى غرف مجاورة ويعدن منها ناكسات الرؤوس… البقية يذهبون للعمل كعبيد…” هي فظاعات لا تقل سوءًا عن القتل، بل هي درجة من درجاته ومرحلة من مراحله.

وللموت استباق أيضًا، فطه ومحمد لا يجيدان السباحة، والمجموعة مقبلة على ركوب البحر، فالموت ركن الشابين إلى حين تربصًا وحتمية لمآل معلوم بين حيوات تقود نفسها إلى الموت في منأى عن العالم.

لتنتهي الرواية بساحة حرق واحتراق في البحر، ثنائية الماء والنار، في مشهدية ركحية قفزت بـ”الذاكرة العمياء” إلى تذكر أحداث عاشها بدر قبل أن يصبح يحيى: موت أبيه وأمه تحت القصف والقذف، “تذكر شعبه المقتول”، يقول: “أصوات انفجارات عالية… كان الموت نفسه الذي أعرفه… رأيت كثيرًا منهن يحترقن… أمامي موت وخلفي موت وعلى جهاتي الأربع موت… روحي ميتة… بكيت”.

لم تبك وحدك، فقد بكى معك وقبلك القارئ، تأثرًا ونقمة على فظاعة الحروب والطغاة المتجبرين.

رواية من الأدب الفاضح توثق لمأساة وطن جريح ينزف تحت نير الصراعات والولاءات التي لا تقيم وزنًا للإنسان والأمن والأمان. هي الغطرسة والظلم، وموت وقتل بالوكالة حتمًا.